سورة القصص
التريليتشا التركية
سورة النّمل
التارت الأمريكي بحشوات مختلفة
وجوب التأكد من صحة الأحاديث
تحضير خبز البريوش الهش
معلومات عن مسلسل طريق
ملخص عن رواية منزل الأشجار النّحاسيّة
سورة الشّعراء
الأبلما اللبنانية بطريقة سهلة وسريعة
سورة الفرقان
كيفية علاج سرطان الليمفوما الهامشية

الله عز وجل يزكي الصادقين العائدين إليه بالتوبة النصوح ، ويدعو لذلك المؤمنين به ، وقد تمثل لنا في عهد النبي أروع مثل ظهر فيه أبلغ معاني الصدق ، وبرز الإخلاص لله ، والإنابة بعد الذنب في أبهى صورة له ،
وظهر لنا هذا جليا في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ، وتاب الله عليهم من بعد توبتهم التي لم تشبها شائبة ، وقد عرفت هذه الغزوة باسم العسرة ، لأن أحوال الصحابة – رضوان الله عليهم – كانت في أشدها قساوة وصعوبة ، والجو حار ، والطريق طويل جدا .

اقرأ أيضا : اهتز لموته عرش الرحمن 

ومن هؤلاء الصحابة الذين تخلفوا ، كان كعب بن مالك ، الذي لم يتخلف عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من قبل في أي غزوة ؛ إلا تبوك ، وبدر أيضا ، ولكن النبي لم يعاتب أحدا تخلف عنه يومها ، وقد شهد مع النبي بيعة العقبة حين تواثق وبايع المبايعون على الإسلام ، ويفتخر كعب بموقفه هذا ، الذي لا يعد أدنى من غزوة بدر فضلا .

أما أحداث وتفاصيل غزوة تبوك فكانت مختلفة ، ويعلم كعب – رضي الله عنه – في قرارة نفسه بأنه لا عذر له بتخلفه ، فقد كان حينها يمتلك دابتين بدلا من واحدة ليركبها في الغزو ، ولديه زاد يكفيه الطريق ، ولم يكن يشكو مرضا أو ضعفا ، بل كان يتمتع بالقوة آنذاك ، ومع ذلك لم يخرج مع رسول الله تقاعسا وكسلا .

اقرأ أيضا: أبو سفيان وقصة إسلامه
بينما كان غيره من الصحابة في شدة وضيق من العيش ، والحر شديد ، والسفر طويل ، والعدو كبير ، وخرجوا رغم كل ما واجههم من صعاب ، وقاتلوا جنبا إلى جنب مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مقابل بني الأصفر حتى عادوا مظفرين منتصرين بأمر من الله .

وعند عودة رسول الله جاء كعب بن مالك يقابل النبي ويعتذر عن تخلفه .
وكان في تلك الأثناء جموع تقف أمام الرسول ، ويدلي كل منهم بعذره ، بل وكانوا يصطنعون الحجج التي تجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقبل عذرهم ، بينما هو يعلم في نفسه أنهم المنافقون ويدلون حججا واهية لتأخرهم عن الغزوة ، إلا أن كعب لم يعتذر كما اعتذر غيره ، وقد كان قادرا على ذلك ، وأخبر النبي أنه لن يحدثه حديث كذب ليرضى به عنه ويشفع له تأخره عن الغزوة ، بل حدثه بصدق أنه لا يمتلك عذرا لما فعل ، بل وما كان أيسر ولا أهون من حاله وقت تخلفه .

اقرأ أيضا : بُشر بدخول الجنة بلا حساب ولا عذاب
تفوه – رضي الله عنه – بهذا بكل ما يمتلك من قوة وجرأة ، لئلا يُنافق كما نافق آخرون ، وبعدما فرغ كعب من حديثه ، فقال النبي : ” أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك ” .

ومن هنا بدأ الإبتلاء يختبر صدق وتمسك كعب بدينه ، فما إن خرج من عند رسول الله حتى انهال عليه سيل من النصائح ليعود ويعتذر لرسول الله كما اعتذر غيره ، لعل النبي يستغفر له ويعفو عنه ، حتى أنه كاد من شدة إلحاحهم أن يتراجع ويكذب نفسه أمام رسول الله ، إلا أن الله منَّ عليه وثبت قلبه على الصدق الذي تفوه به أول مرة .
وكان مما قد خفف عليه وطاة الألم أن معه اثنان من الصحابة حالهم كحاله تماما ؛ وهما مرارة بن ربيعة العامري ، وهلال بن أمية الواقفي ، المعروفان بالصدق والصلاح.

ثم أتى الابتلاء الثاني وهو المقاطعة ، فقد نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – كافة المسلمين ؛ كبيرا وصغيرا ، ذكرا وأنثى عن التعامل مع الثلاثة هؤلاء ، حيث كان ذلك أمرا شديد القسوة على أنفسهم ، وضاقت بهم الأرض ذرعا ، إلا أن المقاطعة بكل ما تحمله من ثقل وآلام استمرت خمسين يوما ، ذاق فيهم كعب وأصحابه من المصاعب والشدة والألم ما ذواقوا ، فلا أحد يكلمهم ويقبل التعامل معهم في السوق أو المسجد ، وحتى النبي كان يعرض عن كعب حينما يلقاه ، ولكن يشتاق لصاحبه ولحديثه ويحبه لصدق سريرته ، وتمر الأيام والليالي ببطئ شديد على كعب حتى اضطر للعزلة ، ليخفف ذلك وطأة الألم النفسي .

اقرأ أيضا : الصحابي قاتل الأسود
وجاء الابتلاء الثالث بينما كان يمشي كعب في سوق المدينة ، وإذ بتاجر من نبط أهل الشام يسأل أهل المدينة أن يدلوه على كعب بن مالك ، فأخذ الناس يشيرون إلى كعب بأصابعهم ، ودفع التاجر لكعب بكتاب من ملك غسان ، يقول له فيه إن كان صاحبك قد جفاك ، فتعال إلينا وانزل في ديارنا نواسيك ، حتى لا تبقى في موضع الهوان الذي أنت فيه بينما أنت صاحب الشأن والمكانة .

حيث استغل ملك غسان ظرف كعب وما يواجهه ، ليستميل قلبه ، ولعلمه أن استجابة كعب له ، سيكون له أكبر أثر في شق صفوف المسلمين .

يعتبر جموعا من الناس أن ذلك مخرجا وفرجا ، أو حتى طريقا يصل به إلى العزة والكرامة ، ولكن الذي يعلم في أعماق نفسه أن الدنيا وكل ما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة ، وأن الحلول التي تأتي في غير طاعته ورضوانه ؛ تكون هي الخسران بعينه .

اقرأ أيضا : دعوة زيد بن نوفل لابنه سعيد

لذلك كان الكتاب بالنسبة لكعب هو ابتلاء لا محالة ، وما لبث إلا أن ألقاه في النار ليحرقه ،ولم تحدثه نفسه عن دنيا يصيب منها منفعة ونصرة لحاله ، أو عن مكانة يتطلع إليها .

ليأتي أخيرا من بعد ذلك الفرج ، ليأتي بعد ثبات ومقاومة وصبر لكل الابتلاءات .وبعد انقضاء الخمسين يوما ، بينما كعب يصلي الفجر على سطح بيته وكانت قد ضاقت عليه الأرض وضاقت أيضا عليه نفسه ، إذ به يسمع مناد يقول بأعلى صوته البعيد : يا كعب بن مالك أبشر .

اقرأ أيضا : من هو الصحابي الذي كان يتمثل جبريل في صورته؟ 
وبذلك تنتهي المقاطعة ويتوب الله على كعب وصاحبيه بعد أن اختبر الله صدق الصادقين ،فضرب وأصحابه بصمودهم وصدقهم وثباتهم أروع النماذج بصحة اليقين والتوكل على الله وحده .

الكلمات الدلالية:, , , , , ,