سورة القصص
التريليتشا التركية
سورة النّمل
التارت الأمريكي بحشوات مختلفة
وجوب التأكد من صحة الأحاديث
تحضير خبز البريوش الهش
معلومات عن مسلسل طريق
ملخص عن رواية منزل الأشجار النّحاسيّة
سورة الشّعراء
الأبلما اللبنانية بطريقة سهلة وسريعة
سورة الفرقان
كيفية علاج سرطان الليمفوما الهامشية

تعد رواية ثرثرة فوق النيل من أشهر روايات نجيب محفوظ ، و قد حظيت باهتمام النقاد منذ أن نشرت سنة 1966 م في القاهرة ، و تناولها النقاد بالدراسة و التحليل و النقد.
و تدور الرواية في عوامة على ضفاف النيل ، يجتمع في هذه العوامة مجموعة من الأصدقاء لا تكاد تجد هناك رابط حقيقي مشترك بينهم إلا العربدة و التعاطي .
و تأتي أحداث الرواية في صورة محادثة بين هؤلاء الأصدقاء داخل العوامة، و أنيس بطل القصة لا يكاد يرجع إليه عقله فهو يهلوس من أول الرواية إلى آخرها وهو حانق أشد الحنق على واقعه و على مديره في الوظيفة ، وهو مثقف جدا و لديه ثقافة تاريخية موسوعية ، فهلوسته عندما يتعاطى المخدرات لها طابعها التاريخي .

اقرأ أيضا : نبذة عن الشاعر العباسي أبو العتاهية
و هم في هذه الحالة ليس ثمة شخصية حاولت انتشالهم من عزلتهم سوى شخصية واحدة كانت تملك وجهة نظر مختلفة فبادرت بالتغيير لكن لم تستطع تحقيق حلمها .
و لما أرادوا أن يخرجوا ليتعرفوا على العالم الآخر المحيط بهم – و نادرا ما يفعلون – كانت الحادثة التي صدمتهم جميعا و أقلقتهم ، و مع ذلك فقد كان التعامل مع تلك الحادثة تعاملا سلبيا .
و أن يكتب نجيب محفوظ رائد المذهب الواقعي الاجتماعي في الوطن العربي رواية عبثية ليس حادثا طارئا. و القراءة لهذا العمل دون الرجوع للظروف الاجتماعية والسياسية التي كتب فيها لن تؤدي لإجابة شافية ، فهذا العمل كتب إبان الحقبة الناصرية ، وتحديدا بعد وضوح معالم النظام ، و تحكم البيروقراطية في الثورة، الأمر الذي أدى إلى صدمة لكل الحالمين بتغيير حقيقي للواقع ، الذين رأوا في ثورة يوليو الخلاص من كل آفات العهد البائد .
وجد إذن هؤلاء الحالمون الثورة تجنح عن مسارها، وتستبدل أرستقراطية الملك بأرستقراطية الثورة، فما كان منهم إلا أن وقعوا في حالة من اللامبالة الناتجة عن يأس من أي تغيير، وهو الأمر الذي يبدو واضحا في جماعة أنيس ، و الذي يتجلى في بناء الرواية القائم على حوار عبثي يبدو غير مترابط ، و ساخر أغلب الأحوال .
و العبث من ناحية فلسفية يتلخص في أن مجهودات الإنسان لإدراك معنى الكون دائما ما تنتهي بالفشل الحتمي ، و هو حالة الصراع بين ميول الإنسان للبحث عن هدفه من الحياة و عدم مقدرته على فعل ذلك .
و قد ولدت الآراء العبثية تحديداً في فرنسا ومنها انتشرت إلى كافة الأنحاء. ومن أهم روادها: صامويل بيكيت (1906 -1989) و يوجين يونسكو (1909-1994).
و من رواد هذا المذهب في الأدب العربي : صلاح عبد الصبور و توفيق الحكيم .و يمكننا رصد ملامح العبثية في هذه الرواية من حيث رسم الشخصيات و الزمان و المكان و الرؤية الفكرية .

اقرأ أيضا : الروائي المصري نجيب محفوظ
فأصدقاء العوامة جماعة مثقفة تعيش حياتها الطبيعية نهارا ، وتعيشها طولا و عرضا ليلا في العوامة . كما تريد هي لا غيرها ، فهي حياة عبث و لذات .
في النهار يركضون خلف همومهم الذاتية الصغيرة ،و يرون أن رأي المثقف لا يعبأ به لذلك قرروا أن يتركوا كل شيء ليقرره الطغاة ،بينما هم يعيشون في واد آخر يروق لهم .”نرى أن السفينة تسير دون حاجة إلى رأينا أو معاونتنا وأن التفكير بعد ذلك لن يجدي شيئا ، وربما جر وراءه الكدر ” .
و باتت هذه الجماعة تعيش على هامش الحياة في أزمة مع نفسها و مع النظام الذي أبعدها إلى خارج سياق الحراك السياسي حتى أضحت حياتها من دون معنى . نتيجة هذا التهميش المقصود، و من دون أمل حقيقي أو قيم تحتذى . و هذه الجماعة تنظر للحياة نظرة هزيلة و عدمية ، نظرة خائفة من كل شيء أدت بهم إلى ألا يبالوا بأي شيء ” لأننا نخاف البوليس و الجيش و الإنجليز و الأمريكان والظاهر والباطن ، فقد أدى بنا إلى ألاّ نخاف شيئا .”
و ثرثرتهم في العوامة ثرثرة عبثية ، تبدو غير مترابطة ، إذ يتنقلون من موضوع لآخر بسرعة ،و هذه الثرثرة تمثل بوح شريحة ذات رؤى ضبابية في مرحلة تاريخية محددة(الناصرية) ، تعاني الهزيمة و الإحباط و الانتماء المأزوم .فعندما يجري الحديث مثلا عن أخبار العالم الخارجي ، يقول أحدهم :” لا توجعوا رؤوسنا ، ما أكثر ما نسمع و لكن ها هي الدنيا باقية كما كانت ، ولا شيء يحدث على الإطلاق ” و يضيف الآخر معلقا :” و فضلا عن ذلك فإن الدنيا لا تهمنا كما أننا لا نهم الدنيا في شيء ” و انسحاب هذه الشخصيات إلى العوامة كان بمثابة خطوة سلبية لرفض ما يدور خارجها ، فهم لا يبالون بما يجري في العالم الذي يلفهم .
و صحيح أن هذه الشخصيات شخصيات مثقفة و بعضها مرموقة في المجتمع و لكنهم مع ذلك كانوا ينظرون إلى الواقع نظرة ازدراء و احتقار ، فهم لم يجدوا أنفسهم في هذا الواقع ولم يتكيفوا معه ، بل كانوا يشعرون بالغربة ، إذ لا يمكنهم أن يؤثروا في هذا العالم أو أن يتأثروا به :” الحق أننا لا مصريون ولا عرب ولا بشر .نحن لا ننتمي لشيء إلا هذه العوامة “.

اقرأ أيضا : المتنبي .. أعجوبة الأدب العربي
على الرغم من كل ذلك لا يمكننا اعتبار هذه الشخصيات شخصيات عبثية ، و إن كانت تدعي ذلك ، فهي تسعى لرزقها و تعمل طول النهار، أما الليل فهو الجزء الذي تقضيه في العبث” نحن نعمل للزرق في نصف اليوم الأول ،ثم نجتمع بعد ذلك في زورق ليسبح بنا الملكوت ” لكنها شخصيات سلبية عاجزة عن اتخاذ القرار، تتهرب من مسؤولياتها تجاه المجتمع الذي تعيش فيه. و المخدر الذي يتعاطونه تأكيد لهذه الفكرة .
أما أنيس زكي فهو الشخصية الوحيدة التي يمكن أن تكون عبثية تماما ، فنهارها بالكامل عبث بعبث ، و هو مثقف بلا شهادات ، طاف بكليات الجامعة و لم ينه شيئا من دراستها المنظمة ، له مكتبة تاريخية في العوامة قد يقرأ فيها الساعات التي يفيق فيها و لكنها لا تكفي أبدا ،وهو يفيق دقائق عقب النوم صباحا فيسأل نفسه ” لماذا يحيا ” ؟ لكنه ينسطل قبل أن يجد الفرصة ليجيب. وقد كان العامل الأساسي في عبثيته هو الصدمة الناجمة عن وفاة زوجته و ابنته في الشهر ذاته ، مما ولد لديه شعور بعبثية الحياة ، بينما لا نجد دافعا حقيقيا في توجه باقي الشخصيات نحو العبث . و أنيس باستمرار غارق في تأملاته ،إذ لا يرى أي جدوى لأي شيء، و في نظره أن لا شيء يحدث على الإطلاق، يقول: ” وعندما نهاجر إلى القمر فسنكون أول مهاجرين يهربون من لاشيء إلى لا شيء” و في نظره ” لا شيء يحدث على الإطلاق ” .
و ذكريات أنيس التاريخية أو توهيماته التاريخية لها دلالاتها ، إذ يرى نيرون و قد اختلطت فيه الشخصيات ، و في عصر المماليك يرى الظلم منتشرا و الخيل تدوس الأطفال و النساء ، و هذا التناسخ الذي يربط بين الماضي الحاضر يوحي بتكرار الأحداث و تناسخ الشخصيات بصورة عبثية و كأننا في دائرة مغلقة لا خروج منها،فالظلم مستمر في العصور كلها ، وأي محاولة للخلاص منه هي محاولة عبثية. .

اقرأ أيضا : أمير القصة العربية .. يوسف إدريس
وقد ظهرت النزعة العبثية في كثير من تساؤلات أنيس زكي عن الحياة ،فيتساءل عن بداية الخلق و الحياة :” أجل كيف دبت الحياة لأول مرة في طحالب فجوات الصخور بأعماق المحيط ” ثم يفسر نشأة الحياة بتساقط الغبار على سطح الأرض و كأنه يلغي بذلك التفسير الديني لنشأة الكون .
و أنيس شخصية انطوائية لا تشارك الآخرين بالحديث، و إنّما له حديثه الخاص الذي يدور بينه وبين نفسه ، و يتجلى العبث في عمل أنيس أيضا ،فعمله في رصد الصادر و الوارد حركة دائرية توحي بالعبث و الروتين و تكرار الجهد،و كذلك حركته من العمل إلى العوامة ، ومن العوامة إلى العمل، ولا شيء آخر: ” و يا لها من تسلية أن تلاحظ الموظف من جدية مظهره و هو يؤدي عملا تافها ، التسجيل في السراي ، الحفظ في الملفات ، الصادر الوارد ” .
و ثلاثة أحداث يفترض أن تلفت انتباه أنيس و جماته للعالم الخارجي ، لكن هذه الأحداث لا تجدي نفعا، إلا الأخير ،و أول حادث كان يأمل أن يهز المجموعة سقوط امرأة منتحرة لخيانة عشيقها لها من ثامن دور ،لكن هذا الحدث لا يهز المجموعة في شيء ، ولا يترك فيهم أثرا ،و ثاني حدث هو غرق عوامة مجاوة ، ولا يلفت انتباه أحدهم شيء إلا إن كان هناك محتويات في هذه العوامة أم لا ،أمّا النبأ كله فلا يهزهم . ثم يأتي الحادث الأخير الذي يقلقهم وهو حادث السير الذي يقعون به عندما يدوسون فلاح و يموت إثر الحادث ، إذ نجدهم هنا يواجهون الموت وجها لوجه ،لكنّهم يقفون من الحادث موقفا سلبيا ، حتى سمارة التي تدعي الجدية تهرب من المسؤولية و الجدية.

هذه الجماعة التي كانت تشعر بالغربة في مجتمعها ، و بعدم فاعليتها فيه ، وجدت في العوامة عالمها الافتراضي البديل للواقع ، و المجتمع الوحيد الذي يمكنهم فيه أن يتشدقوا بأفكارهم . هذه العوامة منفصلة عن الواقع ، وتهتز لكل قادم جديد ، و تعوم فوق المياه المتحركة ، دلالة على انفصال أصحابها عن واقعهم و حديثهم هذا فوق المياه الجارية لا يقدم و لا يؤخر ، واهتزاز هذه العوامة لكل قادم جديد ربما كان دليلا على اهتزاز رؤى أصحابها و عدم ثباتهم و إيمانهم بشيء .
أمّا المكان الثاني في الرواية فهو مكان عمل أنيس” السقف مخزن كئيب لدخان السجائر ، الملفات تنعم براحة الموت فوق الأرفف..النمل والصراصير و العنكبوت و رائحة الغبار المتسللة من النوافذ المغلقة” و المكان هنا لا قيمة له كما يبدو ، و يوحي بتفاهة العمل و عدم أهميته ، و يوحي بالموت والسكون ، و صفات هذا المكان تؤثر على شخصية أنيس و شعوره بالعبث .

اقرأ أيضا : الأديب الساخر محمد الماغوط
أمّا الزمان في الرواية فيتمثل في الليل ، فهو يمثل نهار هذه الجماعة ، وفي ذلك تأكيد على انعزال هذه الشخصيات عن مجتمعها .
و حتى يوصف العمل بأنه عبثي لا بد أن تكون هذه وجهة نظر الكاتب ،و لا يمكن بسهولة أن نصف نجيب محفوظ بالكاتب العبثي ، وأيضاً يصعب أن نصف هذا العمل بهذه الصفة، فكتابات محفوظ متنوعة سواء فى الرواية أو القصة القصيرة و تتصدى لمعالجة هموم وقضايا ذات طابع إنسانى وميتافيزيقي مثل: الموت، المجهول، الخوف، ، العزلة، الاغتراب، اليأس، ، اللاجدوى .. وغيرها من القضايا الوجودية ، ومثلها بالتأكيد العبث. و لكنها مع ذلك تختلف عن أعمال ” كافكا”، و” بيكيت” وغيرهما من كتاب العبث. الذين تظهر العبثية في أعمالهم من خلال أدواتهم الفنية – اللغة و الحدث و المضمون و الشخصيات – و لا يناقشون فكرة العبثية على لسان الشخصيات .
لكن نجيب محفوظ يرفض الاستسلام لإغراء الاستمرار فى الإيمان بهذا العبث، ويحاول أن يجد مخرجاً أو خلاصاً من هذه المحنة . يقول نجيب محفوظ :”إن تجربتي الأدبية كلها مقاومة للعبث ، ربما كنت أشعر بدبيب عبث،لكنني أقاومه ، أعقلنه ، أحاول تفسيره ، ثم إخضاعه ” . و نجيب في روايته يسخر من فكرة العبث ، التي لن يتقبلها مجتمع متدين لا تلائمه هذه الفكرة ،مجتمع ما زال غير مهيأ لمثل هذه الأفكار التي ترجم لها المترجم العراقي “أنيس زكي ” ، فإن كان هو قد وجد في فكرة العبث فكرة ملائمة كما هو الحال عند بطل الرواية الذي يحمل ذات الاسم ، فإن المجتمع العربي لن يتقبل هذه الفكرة ولا يصلح لها ؛فهو مجتمع متدين ، و الأساس في العبث هو عدم الإيمان .

اقرأ أيضا : الكاتب زكريا تامر
و يبدو أن محفوظ الذى استوعب الواقع المصري الحديث بصورة جيدة وعميقة قد أدرك بحس و بصيرة الفنان وجود مثل هذه الفئة فى ظل القهر السياسي و غياب الحرية .

الكلمات الدلالية:, , , ,