اهتز لموته عرش الرحمن

الصحابي سعد بن معاذ الأنصاري ، ويكنى أبا عمرو ، كان إسلامه قبل هجرة النبي إلى المدينة بعام واحد فقط ، وكان سيدا على قومه ، ويترأس قبيلة الأوس ، وزعيما لقبيلته بني عبد الأشهل كذلك .

أما قصة إسلامه فقد سجلها التاريخ ؛ فبعدما كان قد بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – سفير الإسلام مصعب بن عمير – رضي الله عنه – ، إلى المدينة ليدعو أهلها ، وليعلم ويشرح للأنصار أمور دينهم ، وقد كان هناك باستضافة الصحابي أسعد بن زرارة ، وكان حينها يدعو الناس سرا ، وينشر الإسلام وتعاليمه السمحة في المدينة .

أقرأ أيضا : صاحب سر رسول الله

وصل ذلك لمسمع سعد بن معاذ ، وعلم أن قومه وأفراد قبيلته يدخلون في الإسلام ، فغضب أشد الغضب وأخذ يتسائل عن هذه الفتنة التي ألمت بضعفاء قومه ، وباتوا بسببها يخرجون عن دينهم ودين آبائهم ويستبدلونه بدين آخر .

وهمّ بعدها سعد بأن يطرد مصعب وأسعد ابن خالته ، ولكنه توقف عن ذلك وأمر أُسيد بن حضير للقيام بهذه المهمة بالنيابة عنه ، احتراما لقرابته بأسعد ، وترفعا عن الصغائر . وذهب أسيد بن حضير لينفذ ما أمره به سعد ، ولكن عند وصوله سمع عن الإسلام واستمع للقرآن من مصعب ، فاطمئن له ، وشرح صدره وأسلم .
ولجأ أسيد بن حضير لحيلة يدفع بها سعد بن معاذ إلى مجلس مصعب بن عمير ، ليسمع الذي سمعه ويغنم ويظفر كما ظفر هو بالإسلام .

أقرأ أيضا : بُشر بدخول الجنة بلا حساب ولا عذاب

وبالفعل نجحت الحيلة ، وأتى سعد مجلس مصعب وأسعد رضي الله عنهما ،ثم أطرق سعد بن معاذ يتكلم كلاما شديدا نتيجة غضبه ، وأمرهم أن يتركوا المدينة فورا ، إلا أن مصعب بن عمير رد عليه بروية : أو غير ذلك ؟

فسأله سعد عما يريد ، وما يقصده بكلامه .
فاقترح عليه مصعب أن يجلس ويسمع ، فإن أعجبه القول وتقبله ؛ فالحمد لله ، وإن لم يعجبه وكرهه ؛ فيترك مصعب المدينة من فوره .
وكان سعد سيدا عادلا وذا رأي سديد ، واعجبه العرض الذي عرضه مصعب ، وجلس ليستمع ، فتلا مصعب عليه آيات من القرآن الكريم ، ثم عرض عليه الإسلام .

أقرأ أيضا: إسلام أبي الدرداء

وأيقن الحاضرون حينها أن سعدا قد اطمئنت نفسه لما سمع ، وبدا في وجهه نور الإسلام قبل أن يعلنه ، وظهرت على ملامحه تباشير التأثر ، وما لبث إلا أن انطلق لسانه يسأل عن كيفية الإسلام،فشرح له مصعب ذلك ، ففعل سعد .


ثم انطلق مسرعا يدعو قبيلته ” بني الأشهل ” ، وأخبرهم أن كلام رجالهم ونسائهم حرام عليه حتى يسلموا ، فأسلموا جميعهم؛  حيث كان أهل قبيلته يحبونه ويطيعونه لأنه نِعْمَ السيد .وكان ذلك من أعظم ما قام سعد ، حيث زاد سواد الإسلام على يديه بقبيلة كاملة توحد الله وتدافع عن الدين . وكان حينها يبلغ ثلاثين عاما .

وقد شارك مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في غزوة بدر وغزوة أحد وغزوة الخندق التي استشهد بعدها إثر جرحه البالغ .
وتبدأ قصة استشهاد سعد بعد أن خرج في يوم الأحزاب ” غزوة الخندق ” ، وكان يلبس على جسده درعا ضيقا لا يغطي ذراعيه كاملة ، وحينما بدأ تراشق النبال بين المسلمين والأحزاب ، أصيب سعد بسهم في كاحله من أحد المشركين واسمه ابن العرقة.

أقرأ أيضا: زيد الخير
وأخذ جرحه ينزف نزفا شديدا ، فقام الرسول بإغلاق الجرح كيا بالنار لينقطع النزيف ، ولكن انتفخت يد سعد وعاد النزيف ، فأعاد الرسول كيها مرة ثانية ، وثالثة .

إلا أنها ازدادت معاناة سعد والتهب جرحه ، فدعا الله ألا تخرج روحه إلى بارئها قبل تقر عينه من بني قريظة الذين نقضوا عهد رسول الله .

وبعد أن ولى الأحزاب أدبارهم منهزمين ، توجه النبي وصحبه لبني قريظة الذين نقضوا العهد وخانوا الميثاق ، وحاصروهم وأرادوا أن يقاتلوهم ، وفشلت كل محاولة لجأت إليها بنو قريظة لانقاذ أنفسهم من الموت ، ورفض أيضا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كل ما عرضوه من عروض ، ثم هدد المسلمون باقتحام الحصون وقتالهم إن لم يستسلموا.

أقرأ أيضا: الصحابي قاتل الأسود

فسارعوا إلى النبي ليعلنوا أنهم ينزلون على حكم سعد بن معاذ فيهم ، حيث أنه كان حليفهم في الجاهلية ، ظانين بذلك أنه سيشفع لهم عند رسول الله ، أو حتى يكتفي بإجلائهم عن المدينة كما أجلى يهود بني النضير .
فقبل النبي حينها أن يحكم فيهم سعد ، فأرسل رسول الله إلى سعد بن معاذ ، وكان حينها في خيمة رفيدة الأسلمية في مسجد رسول الله يعاني ألم جرحه ، وعند وصول سعد حيث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، تسائل سعد إن كانت جميع الأطراف ترضى به ليكون حكما ، وبعد الموافقة ، قال : آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم . ثم حكم بقتل الرجال ، وسبي النساء والذراري .فلم يكن أمام بني قريظة إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ . وأخبره النبي صلى الله عليه : ” يا سعد حكمت بحكم الله ” .

أقرأ أيضا : صحابي كانت تستحي منه الملائكة

و ظل جرح سعد بن معاذ ينزف نزفا شديدا حتى مات على أثره . وكان حينها ابن سبعة وثلاثين عاما ، وما أعظم مواقفه وما أنجزها خلال سنوات إسلامه على قلة عددها . وأخبر النبي أن اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ لعظم صنيعه ولعظم مواقفه في الإسلام وأهله .
فرضي الله عنه وأرضاه .

الكلمات الدلالية:, , , ,