بشار بن برد .. الشاعر الضرير

شاعر مخضرم – قال الشعر في ظل الدولة الأموية و الدولة العباسية ” ، من أصول فارسية ، كان مولى لبني عقيل من القيسيين ، نشأ في أسرة فقيرة وضيعة لا تعتز بشيء ، و هذا من العوامل التي أثرت في شخصيته . كذلك كان للعمى أثر في شخصيته وشعره إذ ولد أعمى .
بشار بن برد و لد أواخر القرن الأول للهجرة – 91 هـ تقريبا – ، و عندما نشأت الدولة العباسية كان شابا ناضجا ، فكانت ثقافته أساسا ثقافة أموية ، و كان لثقافة البصرة – البيئة التي نشأ فيها – أثر في حياته و نشأته و شعره .
و كان له شعر خليع جريء ، فأثر ذلك في فئات المجتمع جميعها ، وله غزل عفيف يقترب فيه من غزل العذريين . و قد خاف واصل بن عطاء من فتنة بشار بن برد بالشباب بسبب شعره الخليع و الفاحش فأهدر دمه ، فهرب و مدح يزيد بن عمر بن هبيرة من قبيلة قيس ، و ظل خارج البصرة حتى بعد قيام الدولة العباسية ، و عاد إليها بعد موت عمر بن عبيد صديق واصل بن عطاء ، و أحد علماء المعتزلة الكبار .

اقرأ أيضا : أبرز شعراء النقائض
و مدح بشار ولاة البصرة و أهمهم عقبة بن سلم ، و لم يمدح الخلفاء العباسيين أول الأمر ، وذلك لأنه مدح آخر خلفاء الدولة الاموية و ولاتهم ، و خاف أن يتصل بهم في البداية . و لكن مع استقرار الأمور في عهد الخليفة المهدي ، مدح المهدي ، و أعجب المهدي بشعره فأغدق عليه ، و قربه منه ، و امتنع عن الشعر الفاحش إلى حد كبير بعد أن منعه المهدي منه .
كان بشار شعوبيا و زاد على ذلك أنه أصبح زنديقا . فنراه في شعره يفضل النار على الطين ، و يفضل إبليس على آدم ، و رثى الزنادقة الذين قتلوا لزندقتهم ، و لما علم المهدي بزندقته أمر بجلده 70 جلدة ، فمات سنة 187 هـ .
و هناك عوامل ساعدت في تكوين شخصية بشار و انعكست على شعره ، هي :
1 . العمى ، ولد و هو أعمى ، فأثر ذلك عليه كثيرا ، فشعر بالنقص ، و كره الناس ، و أراد أن يتفوق على أقرانه ممن سخروا منه ، فوجد أن الهجاء من أهم الوسائل التي تساعده على ذلك ، فاتجه إلى الهجاء ، وأول موضوع قاله منذ صغره هو الهجاء . و كان في شبابه يتكسب به ؛ فالناس كانوا يدفعون له المال حتى لا يهجوهم مرة ثانية ، أو كي يتجنب هجاءهم ، و كانت جماعة أخرى تدفع له كي يهجو بشار أعداءها .
و قد برع بموضوع الهجاء بدافع من العصبية و الزندقة و الشعوبية إضافة للجانب الشخصي . و قد كان للعمى أثر في الغزل عند بشار ، إذ اعتمد على الحواس الأخرى في تلمس الجمال ، كالسمع و اللمس و الشم و غيره ، و ابتكر عشق الأذن .
2. بيئة البصرة . كانت البصرة من أهم مراكز العلم بعد دمشق في العصر الأموي ، فكانت تضم عددا كبيرا من العلماء ، و قد كانت سباقة في وضع أصول العلوم المختلفة ، و سباقة في الترجمة ، و قد نشأ بشار في هذا الجو الثقافي .
و فيها أيضا سوق المربد ، الذي كان يجتمع فيه الشعراء و العلماء ، ويفد إليه رواة الأخبار و الشعراء ، فيتحلق حولهم طلبة العلم . و كان ممن يجتمع في هذا السوق شعراء النقائض – جرير و الفرزدق و الأخطل – و قد هجا بشار جرير ، لكن جرير لم يرد عليه ، و ذلك لأن جرير استصغره لأنه من الموالي إذ كانت العصبية العربية بارزة في العصر الأموي ، يقول بشار بن برد : ” هجوت جريرا فاستصغرني ، و لم يجبني ، و لو أجابني ، لكنت أشعر أهل زماني ” و قال ” لم أهجه لأغلبه و لكن ليجبيني فأكون من طبقته ، و لو أجابني لكنت أشعر الناس ” .

اقرأ أيضا : المتنبي .. أعجوبة الأدب العربي
وقد كان بشار بن برد يتردد على المسجد الكبير في البصرة ، و يلتقي بالعلماء و يستمع إليهم ، و يلتحق بمجالس العلم التي كانت تعقد في أماكن مختلفة ، و أشهر هذه المجالس : ملجس الأزدي ، و كان يحضر هذه المجالس صالح بن عبد القدوس – من الزنادقة الذين قتلوا لزندقتهم – ، و واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد – من المعتزلة ، و بشار بن برد .
و استفاد بشار بن برد من هذا المجلس أساليب الجدل و المناظرة و الحوار ، و أساليب علماء الكلام في الإتيان بالحجج و البراهين ، و ظهر ذلك جليا في شعره .
جانب آخر من جوانب الحياة في البصرة هو الجانب الاجتماعي ، فجو البصرة فيه حرية ، فأقبل بشار على كل ما كان معروفا من وسائل اللهو و المجون فنشأ لا يتحرج من شيء .

3 – نشأ بشار في ظل بني عقيل من القيسيين من أصحاب اللغة الفصيحة و هو بذلك نشأ مستمعا للغة الفصيحة ، فلم يأتِ بكلمة مستكرهة أو فيها خطأ . يقول بشار بن برد : ” من أين يأتيني الخطأ ، و لدت ها هنا – في ظل بني عقيل – و نشأت في جحور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل ، ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ ، و إذا دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم ، و أيفعت فأبديت إلى أن أدركت فمن أين يأتيني الخطأ ” .
4- أصل بشار و بيئته الخاصة . فهو من أصل فارسي ، فادعى أنه من سلالة الملوك الأكاسرة ، يريد بذلك أن يتفوق على العرب ، و كان لأسرته الوضيعة أثر في شخصيته ، فأراد أن يتفوق على غيره بالهجاء .

اقرأ أيضا : البحتري .. شاعر من العصر العباسي

5- ذكاء بشار ، و حسه الدقيق ، و بديهته الحاضرة .

و الموضوعات التي قال فيها بشار بن برد كثيرة ، إذ قال في الهجاء و الفخر و الغزل و المدح و الرثاء و الوصف . و أبدع فيها جميعها ، و وقف كثير من النقاد عن شعره ، ولا سيما بيته :
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا و أسيافنا ليل تهاوى كواكبه
و ذلك لأن بشار أعمى ، و لم ير شيئا من هذه الأشياء التي يصفها ، فمن أين له بمثل هذه الصورة البديعة ؟ !
و الواضح أن بشار صاحب الذكاء الواضح استمد ذلك من ثقافته بتاريخ العرب و المعارك التي استمدها من أعمال القدماء .

الكلمات الدلالية:, , , ,