الخنساء.. شاعرة و ناقدة

أحبت الخنساء أخيها صخرا الذي قيل إنه شاطرها ماله ، و أخلص لها أيما إخلاص ، و لما قتل في معركة يوم الكلاب في الجاهلية ، جزعت عليه أشد الجزع ، و رثته بقصائد شتى ، و هي التي قالت فيه بعد إسلامها : ” كنت أبكي له من الثأر و اليوم أبكي له من النار ” . و لم تزل تبكيه حتى ابيضت عيناها من الحزن ، و مما قالته في الرثاء :

قذى بعينيك أم بالعين عوّار               أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار ؟
كأن عيني لذكراه إذا خطرت                فيض يسيل على الخدين مدرار
تبكي خناسُ فما تنفك ما عمرت                  لها عليه رنين و هي مفتار
تبكي خناس على صخر و حق لها              إذ رابها الدهر ، إن الدهر ضرّار

اقرأ أيضا : ريم البنا.. حين تموت الوردة في فصل الربيع

و الخنساء هي تماضر بنت عمرو بن الشريد السلمية ، من الشعراء المخضرمين – عاشت في العصرين : الجاهلية و الإسلام ، و هي ممن اشتهر شعرهم في سوق عكاظ ، لقبت بالخنساء تشبيها لها بالمهاة ؛ و ذلك لقصر أنفها و ارتفاع أرنبيته ، و هي صفة مستحبة ، كان أبوها و أخوها معاوية و صخر سادة قومها – بني سليم – ، و من خلال قصائدها في رثاء أخيها صخر نستدل على أنها من بيت عز و جاه ، إذ كانت تتفاخر بكرمه و جوده أيام الشتاء ، حين يبخل الناس .
و عرفت عنها قوة الشخصية و حرية الرأي ، إذ خطبها دريد بن الصمة فارس حشم و شاعرها بعد أن رآها تطلي بعيرا لها بالقطران ، فردته مؤثرة الزواج في قومها ، قائلة لأبيها : ” يا أبت أتراني تاركة بني عمي وهم كعوالي الرماح و ناكحة شيخ بني جشم وهو في نهاية العمر و على حافة القبر . ” إلا أنّ دريد لم ييأس ، فحاول الاستعانة بأخيها معاوية و كان صديقا حميما له ، فهجته هو و قومه ، و رد عليها هجاءها . ثم تزوجت من ابن عمها – رواحة بن عبد العزيز السلمي- و تطلقت منه لأنه يقامر ، و تزوجت من ابن عم آخر لها هو مرداس بن أبي عامر السلمي ، و أنجبت منه أربعة أبناء .

اقرأ أيضا : الشاعر قيس بن ذريح -قيس ولبنى-
و قد كانت الخنساء ناقدة ، تعرف عيوب الشعر و محاسنه ، فعندما جاء حسان بن ثابت للنابغة الذبياني و أنشده مفاخرا :

لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضحى             و أسيافنا يقطرن من نجدة دما

قالت تنقد شعره : ” إن في بيتك هذا فقط سبع مواطن للضعف فقد قلت الجفنات والجفنات أقل من العشر و لو قلت الجفان لكان دليل الكثرة وشدة الكرم ، و قلت الغُر والغُر بياض في الجبهة أو المقدمة فقط و لو قلت البياض لكان أعم و أشمل ، و قلت يلمعن و اللمعان انعكاس شيء من شيء و لو قلت يبرقن لكان أقوى و أفضل ، و قلت بالضحى و بالضحى يمكن أن يبرق أي شيء لشدة ضوء الشمس و لو قلت بالدجى لكان أفصح و أقوى ، و قلت أسيافنا و الأسياف دون العشرة و دليل قلة و لو قلت سيوفنا لكان دليل كثرة و قوة و منعة ، و قلت يقطرن و يقطرن دليل ضآلة و لو قلت يسلن لكان أفضل ، فبُهت حسان بن ثابت و صمت و لم يدرِ بماذا يُجيب “.

اقرأ أيضا : نبذة عن الشاعر العباسي أبو العتاهية
قتل أخواها في الجاهلية ، فجزعت عليهما ، و رثتهما بأبلغ الرثاء ، أدركت الإسلام فقدمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم مع قومها و أسلمت معهم و حسن إسلامها ، و قدمت بنيها الأربعة للاستشهاد في معركة القادسية ، و قالت يوم بلغها نعيهم ” الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، و أرجو أن يجمعني بهم في مستقر حمته “.
توفيت في أول خلافة عثمان رضي الله عنه سنة 24 هـ .

الكلمات الدلالية:, , , , , ,