كثر شعراء الغزل في العصر العباسي كثرة مفرطة ، و ازدهر الغزل ازدهارا واسعا ، إذ نظمه أفذاذ الشعراء في هذا العصر ، و مضى الغزل في طريقين هما الغزل الصريح و الغزل العفيف ، و كان الغزل الصريح أكثر شيوعا ، و ذلك لما كانت تموج به دور النخاسة المنتشرة من إماء و قيان من كل جنس . و كان الغزل العفيف في هذا العصر يضيق ضيقا شديدا بالقياس إلى عصر بني أمية ، و من أصحاب هذا الغزل العفيف الشاعر العباسي العباس بن الأحنف .

اقرأ أيضا : نبذة عن الشاعر العباسي أبو العتاهية
و العباس بن الأحنف عربي من بني حنيفة ، اتصل آباؤه بالعباسيين ، و انتظم عمه بين رجال الدولة ، و نشأ العباس في بغداد في نعمة و ثراء ، فانصرف لذلك عن شعر المديح الذي اتجه إليه الشعراء طلبا للنوال و العطاء ، فعاش حياة مترفة ، و اختلط بغيره من الشعراء من أمثال أبي نواس في مجالس الأنس و الشرب لكن دون أن يتعمق في خلاعتهم و مجونهم ، يقول فيه ابن المعتز : “كان يتعاطى الفتوة على ستر و عفة وله مع ذلك كرم و محاسن أخلاق و فضل من نفسه ، و كان جوادا لا يليق درهما و لا يحبس ما يملك ” .
اشتهر بالغزل العفيف فلم يكن فاسقا ، و شغله النسيب ، و انصرف له وحده ، فلم يكن هجاء و لا مداحا ، و فتح ذلك له باب الرشيد ، حتى أصبح من ندمائه .
و كان يقول الشعر للرشيد إذا غاضب إحدى جواريه ، فيغنيه إبراهيم الموصلي ، فتعود صاحبته إليه ، و من ذلك أنه غاضب ماردة أم المعتصم ، و توقع أن تبدأه بالترضي فلم تفعل ، فأعلم جعفر البرمكي العباس بالقصة ، و طلب إليه أن يقول في ذلك شيئا ، فلم يلبث أن قال :

العاشقان كلاهما متجنب     و كلاهما متعتب متغضب
صدت مغاضبة و صد مغاضبا     و كلاهما مما يعالج متعتب
راجع أحبتك الذين هجرتهم       إن المتيم قلما يتجنب
إن التجنب إن تطاول منكما         دبّ السلوّ له فعزّ المطلب .

فلما سمعتها ماردة أمرت للعباس و إبراهيم بعشرين ألف درهم مناصفة و أمر لهما الرشيد بأربعين ألفا.

اقرأ أيضا : من هو الشاعر أبو قاسم الشابي ؟
و انعقدت الصلة بين العباس و فتى العسكر – محمد بن منصور بن زياد – و رأى عنده صدفة جارية جميلة تسمى فوز ، فوقع في حبها ، فلما عرفت بحبه صدت عنه ، و هو كان يزداد حبا و شكوى و أكثر من تصوير ذلك في شعره . و وصلت قصائده فيها لديوان كامل ، و كان الشاعر إذا ما هجرته فوز يبكي بكاء حارا :

أبكي الذين أذاقوني مودتهم    حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
جاروا علي و لم يوفوا بعدههم    قد كنت أحسبهم يوفون إن عهدوا
لأخرجن من الدنيا وحبكم       بين الجوانح لم يشعر به أحد

و خرجت من ملك محمد بن منصور إلى ملك بعض أمراء البيت العباسي ، و حج بها ، فبكاها بكاء غزيرا مصورا حبه لها في قصيدته الشهيرة :

أزين نساء العالمين أجيبي      دعاء مشوق في العراق غريب

و ظل يهتف باسمها حتى مات سنة 192 هـ . و قيل غنه كان في طريقه للحج لاحقا بها ، فاعتراه لما كان فيه من هم ضعف شديد ، فاستلقى تحت شجرة ، و أنشأ يقول :

يا سقيم الجسم من محنه      مفردا يبكي على شجنه
كلما جد البكاء به                دبت الأسقام في بدنه

اقرأ أيضا : أبو تمام .. الشاعر النحّات

ثم أقبل طائر فوقع على الشجرة يغرد ، فقال العباس :

و لقد زاد الفؤاد شجى        طائر يبكي على فننه
شفّه ما شفّني فبكى        كلنا يبكي على سكنه .

ثم مات .

الكلمات الدلالية:, , , ,