محمود سامي البارودي رائد مدرسة البعث و الإحياء في الشعر العربي الحديث ، و منقذ الشعر العربي من عثرة الأساليب الركيكة ، ردّ الروح و الحياة إلى الشعر العربي ، و عبّر عن حياة قومه و عصره .
هو محمود سامي بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري ، ولد عام 1839 م في القاهرة ، لأبوين من الجراكسة إذ ينتهي نسب والده إلى المماليك الشراكسة حكام مصر ، و لقب البارودي نسبة إلى بلدة غيتاي البارود في البحيرة ، و قد كان أحد أجداده ملتزما بها . مات والده وهو لا يزال صبيا لم يبلغ الثامنة . و التحق بالمدارس الحربية مع أمثاله من الجراكسة و أبناء الطبقة الحاكمة ، و تخرج متقنا للفنون للحربية سنة 1854 م و هو في السادسة عشرة من عمره ، و هذه الحياة العسكرية علمته الدقة و النظام .

اقرأ أيضا : الشاعر الأردني حيدر محمود
و قد كان البارودي من صغره مولعا بالمطالعة و معجبا بشعراء العصر العباسي من مثل المتنبي و أبي تمام و البحتري ، لما في شعرهم من حماسة . و بعد مطالعة الشعر و استظهاره تحركت نفسه لقول الشعر .
سافر إلى الأستانة ، و هناك التحق بوزارة الخارجية ، و تعلم التركية و الفارسية ، و قرأ أدبهما ، و كتب الأدب فيهما .
وفي عام 1863 عاد به إسماعيل باشا إلى مصر إذ توسّم فيه النجابة و الطموح . و كان إذ ذاك في الرابعة والعشرين من عمره . و رقّي البارودي في رتبته العسكرية و قاد فرقتين من الفرسان . ثم أوفد إلى فرنسا ليشهد مناورات الجيش الفرنسي السنوية و من ثم إلى لندن .
و بعد عودته من لندن رقي إلى رتبة ” القائمقام ” في فرسان الحرس ثم إلى رتبة ” أميرالاي ” و أصبح مسؤولا عن قيادة الفيلق الرابع من عسكر الحرس الخاص . ثم أرسله إسماعيل باشا إلى جزيرة كريت لقمع الثورة على الدولة العثمانية . و فيها يقول :

أخذ الكرى بمعاقد الأجفان       و هفا السرى بأعنة الفرسان

و لما كانت سنة 1878 أرسله إسماعيل للاشترك في حرب البلقان . و لما عاد منها بلغ أسمى الرتب العسكرية ، و عين محافظا للعاصمة .
نفي بعد إخفاق الثورة العرابية إلى سيلان فأقام فيها ثمانية عشر عاما تقريبا . و تعلم هناك الإنجليزية .  و كان الشعر في منافه خيرعزاء له . فشكى النوى و صور الوطن و حنينه إليه . و رثى أحبابه بعيدا عنهم ، و شكى ذهاب شبابه بعيدا عن وطنه … إلخ .
و ما يميز شعر البارودي عمن سبقه هو ظهور ذاتيته قوية واضحة ، إلى جانب اتصاله بالحاضر ، من وصف الحياة السياسية و الطبيعة المصرية و آثارها و الحياة المصرية .

اقرأ أيضا : من هو الشاعر أبو قاسم الشابي ؟
و قد عارض البارودي في شعره شعر القدماء الذين قرأ لهم ، مع ذلك فقد بدت شخصيته بارزة في شعره ، و كان شعره مرآة زمانه و بيئته . و قد كانت هذه المعارضة لشعر الأقدمين في عصرجديدة . فقد كان الشعر قبله في درك من الانحلال ، و كان البارودي هو من بعث الشعر العربي إلى الحياة من جديد.
عاد إلى وطنه سنة 1900 م و قال إثر عودته قصيدة مطلعها :

أبابل رأي العين أم هذه مصر        فإني أرى فيها عيونا هي السحر

و توفي في مصر عام 1904 م ، و طبعت أرملته مختاراته ، و الجزأين الأول و الثاني من ديوانه .



المرجع : ديوان البارودي ،تحقيق وشرح : علي الجارم و محمد شفيق معروف ، دار العودة ، بيروت ، 1998 .

الكلمات الدلالية:, , , , ,